التنصير في إفريقيا السودان نموذجا

  • 10 -1 - 2011
  • محمد فرج مصباح


محمد فرج مصباح  

واجه الإسلام منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تحديات كثيرة ومحاولات عديدة من يهود ونصارى ومشركين وغيرهم للقضاء عليه وطمس معالمه، وما تاريخ الدعوة الإسلامية منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا إلا حكاية عن هذا الصراع الطويل، ومن أكبر الحملات ضد الإسلام اليوم من حيث الإمكانات والدعم الذي تجده من أكبر دول العالم حملات التنصير.

ولأهمية هذا الموضوع وخطورته أفردته بالبحث والدراسة، وأتمنى أن يلقى من الدارسين والباحثين والمهتمين بأمر هذا الدين والغيورين على الإسلام ما يستحقه من الاهتمام، نسأل الله عز وجل أن يرد كيد أعداء هذا الدين في نحورهم وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

وقد تناولت هذا الموضوع  من عدة محاور:

المحور الأول:  التعريف  بالتنصير وأهدافه.

المحور الثاني:  التنصير في إفريقيا، وسبب التركيز عليها.

المحور الثالث:  أساليب التنصير وأدواته.

المحور الرابع:  التنصير في السودان نموذجاً.

أولاً:  التعريف بالتنصير وأهدافه:

التنصير في معناه اللغوي: هو إدخال غير النصارى في النصرانية، ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل مولود يُولد على الفطرة؛ فأبواه يهوّدانه أو ينصرّانه أو يمجّسانه».

بدأ التنصير منذ بدء دعوة عيسى عليه السلام؛ إذ كان إدخال الناس في النصرانية مطلباً جاء به الإنجيل، ثم تطور مفهوم النصرانية عبر الأزمان، واختلطت بهذا المفهوم الفلسفة اليونانية ونظرتها لطبيعة المسيح عليه السلام، كما أثر في هذا المفهوم الاختلاط بالثقافات الأخرى مثل الفارسية والهندية وغيرهما؛ مما أكسبه بعداً وثنياً أبعده عما جاء به عيسى عليه السلام من الدين الحق.

وقد ارتبط التنصير بمسمّى آخر مخفف وهو «التبشير والمبشرون»، وارتبط الاثنان بالاستعمار الغربي، وقبله بالكشوفات الجغرافية، وقد طوّق التنصير والاستعمار العالم الإسلامي وحاصرا أطرافه، واستوليا عليه عن طريق الحملات الاستعمارية وتقسيم العالم الإسلامي بين الدول الاستعمارية: إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال وألمانيا، وأخيراً أمريكا التي تريد السيطرة على العالم الإسلامي كله، وتزداد اليوم حملات التنصير في المجتمعات الإسلامية والأقليات والجاليات المسلمة، آخذة بأساليب عديدة متجددة تختلف عن المفهوم الأساس المتمثل في محاولة إدخال غير النصارى في النصرانية.

التنصير ظاهرة متجددة ومتطورة في آن واحد، يأتي تطورها من تعديل الأهداف والوسائل ومراجعتها بين حين وآخر، ومن ذلك اتخاذ الأساليب العصرية الحديثة في تحقيق الأهداف المعدلة حسب البيئات وانتماءات المجتمعات التي يتوجه إليها التنصير، وقد أضحى التنصير علماً له مؤسساته التعليمية ومناهجه ومقرراته الدراسية.

لقد تنبه المسلمون إلى حملات التنصير منذ القدم، ووقف لها العلماء والولاة والمفكرون وعامة الناس على مر العصور، كل بحسب قدراته العلمية وسلطته، ورُصدت الأنشطة التنصيرية في المجتمعات المسلمة بخاصة وفي العالم بعامة، وصدرت الكتب والمجلات والرسائل التي تحوي الدراسات والمقالات والأبحاث، وقدّم هذا الإنتاج العلمي والفكري المتنوع في شكله ومجالاته تنبيهات وردوداً علمية على النصرانية المحرَّفة، وبدا الإقبال على التعرف على الحملات التنصيرية واضحاً، وتنامي الوعي والشعور بوجود تيارات تتحدى الإسلام والمسلمين، وتعمل على منافسته في عقيدة الناس ومنهج حياتهم.

ثانياً:  التنصير في  إفريقيا وسبب التركيز عليها:

علاقة القارة الإفريقية بكل من الدين الإسلامي والنصرانية موغلة في القدم، وثابتة في كتب التاريخ، ومع أن الديانة النصرانية سبقت الإسلام إلى إفريقيا بما لا يقل عن ستة قرون؛ فإن الإسلام استطاع في أقل من نصف قرن أن ينتشر في القارة بالشكل الذي جعل مراكز النصرانية جزراً صغيرة وسط بحار الإسلام الذي صار هو الأصل في القارة حتى طرأت النصرانية على القارة من جديد .

وقد جاء تدخل الغرب ليحول دون استمرار تقلص النصرانية من جهة، ودون إحراز الإسلام الانتشار والتقدم من جهة أخرى، فمع بدء القرن الخامس عشر الميلادي وجدت ظروف وأحداث أعادت ترتيب التاريخ الإفريقي، وأثرت في الجوانب الدينية والثقافية والحضارية في إفريقيا، وذلك  بدخول الاستعمار الغربي في حلبة الحياة الإفريقية.

ولما كانت النظم الاقتصادية تتشكل حسب المفاهيم والمعتقدات، بل حسب الديانة السائدة؛ انطلق المغامرون الأوروبيون نحو إفريقيا  لتنصيرها بعدما أقسموا لأباطرتهم بأنهم يسعون لنشر النصرانية.

وبعد الغزو العسكري الاستعماري لإفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين اتجه الغربيون للغزو الفكري والثقافي والإعلامي لجعل الدول المحتلة ضعيفة الإمكانات، مسلوبة الإرادة، منهزمة معنوياً، وأصبح الفاتيكان يعتمد على الغزو العسكري والفكري ليمهد له الطريق أولاً, ثم تدخل الكنائس لتجد الجو مهيئاً لها للعمل وسط الفقراء والمعوزين؛ ولذا بدأ بابا الفاتيكان جون بول الثاني زيارة لإفريقيا في مايو 1980م من زائير (الكنغو الديمقراطية حالياً) والكنغو ثم كينيا وغانا وبوركينا فاسو وساحل العاج قائلاً: «إنني أرجو أن يكون بحلول عام 2000م قد تنصرت إفريقيا جميعها»(1).

وفي فبراير عام 1982م قام البابا بزيارة أخرى لإفريقيا ذات صبغة دينية؛ لتوحيد أعمال التنصير والمطالبة بالإصلاح الداخلي، وبدأها بنيجيريا منادياً بالعدالة والسلام والتقدم والدعوة إلى زيادة عملية التنصير، وخاطب البابا النصارى أمام حاكم كادونا المسلم وأخبره بضرورة تعاون النصارى مع المسلمين وإزالة التمييز بين الأفراد، ونادى بممارسة العمل لمصلحة البلد.

ثم زار دولة بنين، وقوبل برفض السيطرة الأجنبية في إفريقيا والنظام الفاشستي في بريتوريا، ونادى بتوسيع الحريات المدنية للكاثوليك لوقفتهم ضد قوانين الدولة المقيِّـدة للتنصير والتي ستمنح بنين قفزة للأمام، وزار الجابون، وفي غينيا الاستوائية مدح الكاثوليك لوقفتهم أمام الرئيس السابق نجوما الذي حظر الكنيسة عام 1978م، ونادى بالمصالحة بين الناس من أجل الصالح العام والتقدم، وزار أوغندا كذلك.

وعلى الرغم من مدح البابا للثقافة الإفريقية في زائير (الكنغو الديمقراطية)؛ فإنه رفض أن تُضمن العبادة الزائيرية في القداس البابوي، فشعر رجال الكنيسة المحليون بإهانة بالغة وأرسلوا وفداً للفاتيكان محتجين على ذلك الحظر، ورأوا أن إخوتهم الأفارقة المسلمين يجدون الراحة النفسية في اعتناقهم الإسلام، ويرون أن الإسلام واقعي في مواجهة مشكلاتهم الفـردية والجماعية، وأنه نموذج مناسب لهم كأفارقة لسهولة شعائره ومواجهة الحياة، ويمنحهم الحرية في ممارسة شعائرهم.

على الرغم مما قدمته الكنيسة من مأكل ومشرب وتعليم وتوطين وعلاج، وأن هذه الأرقام خادعة، وقال البابا يمكننا فقدان مسيحيين كثر إذا لم تغرسوا الإيمان الديني الحقيقي الصلب في النصارى.

سبب التركيز على إفريقيا:

لم يأت اهتمام المنصّرين بهذه القارة من فراغ؛ فإفريقيا هي القارة الوحيدة التي يمكن تسميتها بالقارة المسلمة من بين قارات العالم، وكل شيء يشير إلى أن الإسلام هو دين المستقبل في هذه القارة، وأنها قارة المستقبل للإسلام، كما أن حاضر القارة يشهد واقعاً إسلامياً ملموساً تنطق به الحقائق الآتية:

1 -  قرابة 70% من المجتمع العربي المسلم في إفريقيا.

2 -  75% من الأراضي العربية الإسلامية في إفريقيا.

3 -  أكثر من 60% من مجموع السكان مسلمون.

4 -  تشهد الدعوة الإسلامية صدى وتجاوباً لدى الأفارقة، وتسير بخطى واسعة.

 المنصِّرون يخافون الإسلام ويعلمون مدى انتشاره وخطورته على دعوتهم في إفريقيا وغيرها من قارات العالم، فقد قال المنصّر بلس: «إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التنصير بالنصرانية في إفريقيا، والمسلم فقط هو العدو اللدود لنا؛ لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضاً لا من جهل السكان، ولا من وثنيتهم، ولا من مناضلة الأمم النصرانية وغير النصرانية»، ويقول فيليب فونداسي: «الإسلام يؤلف حاجزاً أمام مدنيتنا المبنية كلها على مؤثرات مسيحية ومن مادية ديكارتية.. فإن الإسلام يهدد ثقافتنا الفرنسية في إفريقيا السوداء بالقضاء عليها»(2).

لم يتوقف الدعم الأمريكي للتنصير وبخاصة في القارة السوداء، فكارتر الرئيس الأمريكي الأسبق بدلاً من أن يقيم ويرعى نشاطاً اجتماعياً في أمريكا كغالبية الرؤساء الأمريكيين، مثل (مكتبة ريجان، مركز روزفلت، مركز كيندي، مركز هوفر، جامعة أيزنهاور)؛ أقام مع زوجته (مركز كارتر) في مدينة أطلنطا مدعوماً من كنيسته من أجل البحث عن السلام في العالم، أو على حد قوله: «إننا نقوم بفتح صدورنا وقلوبنا للناس ونشر كلمة الله»(3).

وقام المركز الذي يعمل من خلاله بمهام بارزة في العالم، مثل: تقديم المساعدات الطبية للنساء في جورجيا، وبناء مساكن للفقراء في فلوريدا وإفريقيا، وله نشاط في أكثر من ثلاثين دولة إفريقية ويتدخل المركز في جنوب السودان دائماً برجاله وإمكاناته ومنصِّريه، ولم يُخف كارتر اهتمامه بالسودان وبخاصة الجنوب السوداني، وعبَّر عن ذلك صراحة.

وتدخل حمـلات التنصير في إفريقيا تحت سـتار المساعدات الإنسانية، فهناك 5000 طبيـب و 7000 ممرض وممرضة، و 289 ملجأ للأيتام، و 195 ملجأ للعجائز، و 163 ملجأ للمكفوفـين، و 1050 صيدلية توزع الأدوية مجاناً، و 8000 مستشفى متكامل الخدمات، و 17 ألف مركز طبي، و 171 كليـة ومعهـداً عاليـاً، و 18571 مدرسـة ابتدائيـة، و 10 آلاف مدرسـة ثانويــة، و 2000 مدرسة مهنية(4).

أطماع التنصير في إفريقيا:

تقول الدكتورة زينب عبد العزيز: (نطالع في بحث أجراه داود بيلار  D. Beylard رجل الاقتصاد الكنغولي، في مجلة «إفريقيات» (وهي مجلة اقتصادية لكل إفريقيا)، يتضح أن مجمل الثروات الإفريقية يصل إلى ستة وأربعين ملياراً ومائتي مليون دولار؛ إذ يقول: «إن القيمة المالية للمناجم الإفريقية في المواد الخام الأولية التي تم اكتشافها حتى الآن تصل إلى 46,200 مليار دولار،  لماذا إذن لا تفلح إفريقيا في الاستفادة من مثل هذه الثروات ؟ إنها ثروة تكفي بكثير لتحويل القارة الإفريقية إلى واحدة من القوى العظمى في العالم...

 وها هو ذا مثال آخر يقدمه الباحث: «هناك شركات مناجم بلا إمكانيات معقولة، وأحياناً بلا عاملين ولا مكاتب، تتبع شركات مساهمة مجهولة، مقيدة في السجلات الضريبية، وتصل بفضل الوعود والاستعراضات إلى إقناع الحكومات الإفريقية بأن تُسند إليها مناقصات منجمية ضخمة لاستغلالها, وما أن يتم الحصول على العقد فإن هذه الشركات تسارع في الحصول على تمويل شحيح، عادة ما يكون من كندا، لإضفاء قيمة على الأسهم الإفريقية وأخذ أرباح بفائض قيمة ضخم؛ حتى قبل أن يتم رفع جرام واحد من أرض المناجم التي حصلوا على حق استغلالها»، وهو ما يعني عملياً أنهم يحققون ثروة بضمان الموارد الإفريقية دون أن تكون هذه الموارد قد تم استغلالها فعلاً, والأدهى من ذلك دون أن تأتي بأرباح للملاك الحقيقيين من الأفارقة أصحاب الحق المهضوم! ويا له من موقف فاضح وبخاصة حين نعرف أن نظام التمويل الدولي يستنزف الدول الإفريقية بمطالبتها بالفوائد المركبة للديون التي تتورط فيها عن طريق صندوق النقد الدولي!

تتجه سياسة الفاتيكان منذ سنوات نحو تكثيف العمل التنصيري في القارة الإفريقية، فلأول مرة في تاريخ الفاتيكان يخرج البابا بنفسه من مقره البابوي ليزور الدول الإفريقية ثلاث مرات خلال خمس سنوات فقط؛ في حين ظلت سياسة الفاتيكان عبر تاريخ اهتماماته بإفريقيا مقصورة على إيفاد البعثات التنصيرية الكاثوليكية .

ويتزايد عدد الكاثوليك بشكل يدعو إلى القلق في القارة الإفريقية، فالكنيسة الكاثوليكية تكسب في كل عام مليوني إفريقي، وإفريقيا اليوم بها 65 مليون كاثوليكي يمثلون 16% من سكان قارة إفريقيا، ويسعى الفاتيكان بكل وسائله إلى أن يصبح عددهم مائة مليون نصراني كاثوليكي، في حين أن أعدادهم في عام 1901م لم يتجاوز مليون نسمة فقط، وقد شهدت هذه الزيادة أعلى معدل لنموها في السنوات الأخيرة فقط(6).

ثالثاً:  أساليب التنصير في إفريقيا وأدواته:

أساليب عديدة ساعدت المنصِّرين، وظروف معدة هيأت لوصولهم للمجتمعات الإفريقية وتحقيق أهدافهم التنصيرية، ومن هذه الأساليب:

1 –  الاحتلال:

الاحتلال والتنصير وجهان لعملة واحدة، وتلك حقيقة أثبت الواقع صدقها، فما أن يسيطر الاحتلال على بلد إلا ويبدأ فيها التنصير وتقام الكنائس، والتوافق بين المحتلين والمنصِّرين حقيقة أثبتها التاريخ بصورة مطردة.

ويرى المنصِّرون أن السـيادة الغربية في قُـطر إسـلامي معناها تسهيل انتقال المسلمين للنصرانية، يصرح بذلك الأب (دوفوكو) بقوله في مذكراته: «أعتقد أنه إذا لم يتم تنصير المسلمين في مستعمراتنا بشمال إفريقيا؛ فإن حركة وطنية ستقوم بها على غرار ما حدث في تركيا».

ويمكن القول بأن المنصِّرين  يقومون بدور فعّال في التمهيد والدعوة إلى الاستعمار، وفي هذا يقول المنصِّر الأمريكي (جاك مندلسون): «لقد تمت محاولات نشطة لاستعمال المنصّرين لا لمصلحة الكنيسة، وإنما لخدمة الاستعمار والعبودية»، ويقول (نابليون الأول) في مجلس الدولة بتاريخ 12/5/1804م: «إنه في نيتي إنشاء مؤسسة الإرساليات الأجنبية، فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عوناً كبيراً لي في آسيا وإفريقيا وأمريكا، سأرسلهم لجمـع المعلومات عن الأقطار، إن ملابسهم تحميهم وتخفي أي نوايا اقتصادية أو سياسية»(7).

2 -  الاحتواء السياسي: 

دأبت الإرساليات النصرانية في إفريقيا للتأثير في القادة السياسيين لكسب عطفهم، ومن ثم إتاحة الفرصة لهم للعمل بحُرية، كما أن أغلب  الدفعات الأولى من الطلبة في مدارس التنصير كانت من أبناء الزعماء والشيوخ والرؤساء المحليين ومن الطبقات المتميزة في المجتمع، وبعد التخرج يعمل هؤلاء رؤساء وموظفين مسؤولين ونافذين في الدولة، وبخاصة بعد خروج المستعمر، وخير مثال لذلك ليوبولد سنغور في السنغال وجولويوس نيريري في تنزانيا، وتحت مظلة أمثال هؤلاء تستطيع الكنائس أن تمارس التنصير الظاهر والخفي وسط المسلمين وغيرهم .

ومن أمثلة الدعم والاحتواء السياسي التي برع فيها الكاثوليك أخيراً زيارات البابا المتكررة لإفريقيا منذ عام 1969م، فهذه الزيارات أظهرت أنه أصبح لإفريقيا أولوية لدى البابوية، وقد أعطت هذه الزيارات زخماً للنشاط الكاثوليكي في إفريقيا.

3 -  استغلال الفقر والمرض والجهل:

ما تعانيه الدول الإفريقية من انتشار الأمراض والفقر والكوارث الإنسانية؛ كان سبباً مهماً استغله المنصّرون لدخول هذه الدول تحت مسمّى أعمال الإغاثة الإنسانية وغيرها من المسميات التي تختفى تحتها نياتهم في تنصير هذه المجتمعات؛ لذلك تراجع نشاط العديد من المنظمات الإسلامية الخيرية، كما حدث مثلاً في النيجر التي يشكل المسلمون غالب عدد سكانها البالغ 11 مليون نسمة؛ بسبب الحملة التي شنها الغرب ضد هذه المنظمات بدعوى أنها تدعم الإرهاب، وهو ما أتاح الفرصة أمام المنظمات التنصيرية أن تكثف نشاطها.

ومن أخطر تلك المنظمات منظمة «شهود ياهو»، والأخوة الكومبيون، ومنظمة العمل من أجل المسيح، ومنظمة العمل من أجل تنمية النيجر، وقد حذَّرت الخارجية المصرية من هذه المنظمة التي اتخذت من النيجر مقراً لها للانطلاق لباقي الدول الإفريقية التي تعاني الفقر والجهل، والعمل على تنصيرهم عبر إلحاقهم بالمدارس وتقديم الخدمات الصحية لهم.

4 -  محاولات الفصل العرقي بين القوميات الإسلامية:

إحياء النعرات القبلية في كل مكان دنسته القدم الاستعمارية، وقد تخصصت إنجلترا في ذلك بقاعدتها المعروفة (فرِّق تسد)، ولعل قانون المناطق المقفولة في السودان يعطي مثالاً حياً لذلك، وكذلك محاولات فرنسا في السنغال لفصل الجنوب عن الشمال، ومحاولات إيطاليا في الصومال، وتعاني هذه الدول اليوم نتائج تلك السياسات فيما تشهده من صراعات وحروب قبلية تهدد بتمزيق كياناتها وانفصال بعض أقاليمها.

5 -  ضرب اللغة العربية:

وهي لغة القرآن الكريم التي لا يمكن للإسلام أن ينتشر ويزدهر بغيرها، وقد عرف المستعمرون الصليبيون هذه الصلة العضوية فبذلوا كل جهدهم لإقصاء اللغة العربية من الميدان، وجعل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية اللغة الرسمية للدولة، ولغة التخاطب في المجتمع، ولغة الطبقات المثقفة المؤثرة والقائدة في المجتمع، وحاربوا اللغة العربية في شمال إفريقيا وغربها وشرقها، كما فعلت فرنسا حين أصدرت (الظهير البربري) وأحيت (الأمازيغية) عند البربر لطمس اللغة العربية، وكما حدث في منطقة الهوسا حين استبدلت بالحروف العربية الحروف اللاتينية، وفي شرق إفريقيا حين كتبت السواحلية بالأحرف اللاتينية.

وسائل (أدوات) التنصير:

1 -  وسائل الإعلام:

وسائل الإعلام بأشكالها المختلفة من أخطر الوسائل التي اعتمد عليها التنصير في نشر أفكاره ودعوته، والوصول بها إلى جميع بقاع العالم.

لم يترك المنصّرون وسيلة إعلام إلا استغلوها لخدمة أهدافهم وبث سمومهم؛ حتى وصل الأمر إلى استغلال كل جديد في أجهزة الإعلام من أقمار صناعية وبث مباشر وإنترنت، وتملك المنظمات التنصيرية كثيراً من الصحف والإذاعات الموجهة إلى البلاد الإسلامية، وقد أثبتت الدراسات وجود أكثر من خمسين إذاعة كنسية في إفريقيا تبث برامج تنصيرية بمختلف اللهجات واللغات الإفريقية، كما يستغل المنصّرون وسائل الإعلام المحلية في البلاد الإسلامية نفسها لبث أفكارهم على عامة المسلمين، فما من بلد إسلامي إلا ونجد فيه صحيفة تنصيرية أو أكثر ما عدا بعض الدول القليلة كالمملكة العربية السعودية.

أشارت أحدث إحصائية صدرت عن التنصير في السنوات الأخيرة إلى أن عدد المجلات والدوريات والنشرات التنصيرية التي توزع في العالم تبلغ 22700 مطبوعة، أما محطات الإذاعة التنصيرية المسموعة والمرئية في العالم كله فتبلغ نحو 1900 محطة.

2 -  توزيع الكتاب المقدس:

يُظهر الجدول أدناه تزايد الأعداد الموزعة من الكتاب المقدس بعهديه (القديم والحديث) والنشرات التنصيرية الأخرى:

الكتاب

عام 1998م

عام 2000م

عام 2005م

توزيع الكتاب المقدس (العهد القديم) سنوياً

22 مليوناً

23,9 مليوناً

27,3 مليوناً

توزيع العهد الجديد سنوياً

34 مليوناً

36,80 مليوناً

44 مليوناً

توزيع الكتب المقدسة والنشرات الأخرى

6 ملايين

6,8 ملايين

9,7 ملايين

 

 

 

 

 

 

 

 

3 -  الإذاعات ومحطات التلفاز بالعالم:

يلاحظ من خلال الأرقام الآتية مدى اهتمام المنصّرين بوسائل الإعلام (الإذاعة والتلفاز)؛ حيث بلغت نسبة زيادة عددها أكثر من 50%  في عام 2005م عما كانت عليه في عام 1998م:

البيــان

عام 1998م

عام 2000م

عام 2005م

عدد الإذاعات ومحطات التلفاز بالعالم

1103

1206

1598

 

 

 

 

4 -  أساليب حديثة في التنصير:

مع ظهور شبكة الإنترنت التي تتميز بسعة الانتشار على مستوى العالم؛ بدأت منظمات التنصير في التفكير في استغلال هذه الشبكة لتنصير العالم، وقامت عام 1997م بإنشاء (اتحاد التنصير عبر الإنترنت)، والذي يعقد مؤتمراً سنوياً عاماً يحضره ممثلو الإرساليات التنصيرية والقائمون على الصفحات التنصيرية على الشبكة الدولية، وذلك لدراسة أفضل السبل لاستخدام إمكانات الإنترنت في عملية التنصير.

وقد أثمر هذا النشاط التنصيري الكبير من خلال شبكة الإنترنت، حيث أنشئت آلاف المواقع التنصيرية التي تفوق عدد المواقع الإسلامية بعشرات المرات، فالإحصائيات تؤكد أن عدد المواقع التنصيرية يزيد عن المواقع الإسلامية بمعدل 1200%، وأن المنظمات النصرانية هي صاحبة اليد العليا في الإنترنت حيث تحتل نسبة 62% من المواقع، وبعدها المنظمات اليهودية، أما المسلمون فيتساوون مع الهندوس في عدد المواقع الذي لا يزيد عن 9% من مواقع شبكة الإتنرنت.

رابعاً:  التنصير في السودان نموذجاً:

السودان من البلاد القليلة في العالم التي لها شخصية سياسية مستقلة في الأسرة الدولية؛ بسبب عدم انصهار عناصره القومية ومجموعاته القبلية في وحدة وطنية، وعدم الانسجام الكامل بين ثقافاته المختلفة، فقد ظلت كل فئة محتفظة بعاداتها ولغاتها، بالرغم من اتساع موارد السودان الاقتصادية، وأدى التنصير دوراً كبيراً في عدم الاستقرار وإعاقة التفاعل والانصهار القومي، وكان للحملات التنصيرية دور رئيس في التخطيط والمشاركة الفعلية  في دعم الاستعمار البريطاني.

تاريخ التنصير في السودان:

دخلت النصرانية الى بلاد السودان منذ القرن الأول الميلادي، وفي منتصف القرن السادس الميلادي وهي الفترة التي غلبت فيها النصرانية على البلاد؛ كانت الهجرات العربية من مصر والجزيرة العربية تتجه صوب الممالك النصرانية المزدهرة في الشمال (نبتة، وعلوة، والمقرة)، وهو ما ترتب عليه نشر الثقافة العربية وظهور السلطنات الإسلامية الكبرى في القرن السادس عشر الميلادي.

وبعد خضوع البلاد للحكم التركي عام 1820م أخذ النشاط التنصيري يزداد للعوامل الآتية:

1 -  اختراق عقبة السدود النباتية:

كانت منطقة السدود النباتية المنتشرة في شمال المديريات الجنوبية العقبة الكؤود التي منعت دخول العقيدتين الإسلامية والنصرانية عن طريق النيل جنوباً؛ وهو ما أدى إلى عزلة القبائل الجنوبية عن العالم كله إلى أن جاءت المبادرة المصرية باختراق عقبة السدود النباتية لأول مرة؛ وبخاصة الرحلة الكشفية التي كانت بقيادة سليم قبطان (1839م - 1842م)، وتعد هذه الرحلة وما تبعها من رحلات كشفية من العوامل المهمة التي ساعدت على اندفاع حركات التنصير في إفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي، والذي عـده علماء اللاهوت من أعظم قرون التوسع النصراني قاطبة.

2 -  تبني المنصّرين مسألة محاربة الرقّ:

كانت إنجلترا من أكبر الدول في العالم المصدِّرة للرقيق بعد البرتغال وإسبانيا، وفي عام 1838م قدَّم «بكستن» مذكرة إلى الحكومة البريطانية عن محاربة الرق في إفريقيا، وذكر أن الطريقة الإيجابية للقضاء على هذه التجارة هو تمدين إفريقيا ورفع مستوى عقول سكانها وحشد المنصّرين، وأن تقوم الكنيسة بالدور المباشر في إحداث ذلك التغيير العظيم.

وربط المهتمون بشؤون الكنيسة محاربة الرق بعجلة إحياء البعثات التنصيرية؛ فاتجهت أول حملة من المنصّرين إلى الخرطوم بقيادة الأب «ريليو»، وأخذت تركز نشاطها على تحرير الرقيق وتنصيرهم عن طريق الشراء، وتبنّي الأيتام الذين توفي آباؤهم وأمهاتهم الأرقاء.

3 -  تغلغل النفوذ الأوروبي:

غادر الأب «كاسولانى»(8) الخرطوم ليستنجد بقناصلة الدول الأوروبية لإبعاد حكومة الخرطوم عن إعاقة نشر الإنجيل، فتوجه إلى القاهرة التي كانت تخضع لوصاية الدول الأوروبية منذ تسوية المسألة المصرية عام 1840م, وقد ترتب على ذلك، بضغط الدول الأوروبية على عباس الأول (1848م)، أن انتقلت عدوى تغلغل النفوذ الأوروبي من القاهرة إلى الخرطوم، وأصبح التجار والرعايا الأوروبيون في العاصمة السودانية ينعمون بحماية قناصلة الدول الأوروبية الذين أصبحت أعدادهم تزداد في الخرطوم. وبعد إنشاء القنصلية النمساوية في الخرطوم بعد عودة «كنوبلهر» من فيينا وروما استطاع المنصّرون التوغل جنوباً على النيل الأبيض بحرية كاملة، وأنشؤوا مركزين بين «الباري» في «غندكرو» وبين «الدنكا» في المكان الذي يعرف حالياً باسم «الكنسية» على الضفة الغربية للنيل غربي «جونجلي» أطلقوا عليه اسم «الصليب المقدس».

الكنائس السودانية: 

( أ ) الكاثوليكية:

عندما احتل كتشنر السودان 1898م قدم قسيسان كاثوليكيان للسودان عقب غزو السودان مباشرة وأنشآ كاتدرائية القديس متّى ومدرسة الراهبات فيما بعد، وقد ساعدهم الاحتلال البريطاني في فتح مدارس تعليمية، واحتكار التعليم والخدمات الصحية في جنوب السودان، ووضع مناهج تعليمية وفق النظام النصراني الأوروبي، وفتح الباب للإرساليات التنصيرية لمزاولة نشاطها، وإغلاق الجنوب في وجه الشماليين بإصدار قانون المناطق المقفولة عام 1917م؛ منعاً لانتشار الإسلام واللغة العربية، وحماية للنشاط التنصيري في الجنوب.

بدأت الكاثوليكية نشاطها في السودان بفتح أندية للجنوبيين وأبناء النوبة، وتقديم التعليم بلهجاتهم المحلية, وتجمعيهم معاً حتى لا يذوبوا وسط الشماليين المسلمين، وتدريب بعضهم ليكونوا دعاة للكنيسة, ودرب بعضهم فنياً ومهنياً؛ إضافة لتقديم العلاج والتعليم، ونشطت حركة بناء الكنائس ومعاهد تدريس اللاهوت والطباعة وإصدار النشرات.

بدأت تتدفق أعداد كبيرة من المنصّرين بعد اتفاقية أديس أبابا 1972م وتبادل السفراء بين السودان والفاتيكان، فقامت وكالة سودان أيد - أمينها «دجيمبو» - المتخصصة في مساعدة النصارى بتشييـد الكنـائس بالجنوب, وإيواء الجنوبيين والنوبة بالعاصمة والسكن العشوائي في أطرافها المختلفة، وكذلك اهتمت منظمة خدمات الإغاثة الكاثوليكية الغربية باللاجئين، فالكنائس الكاثوليكية تقوم بمهام النشاط الديني، والمؤسسات الإرسالية تهتم بالتعليم والصحة والإسكان، ومن أهم مؤسساتها التعليمية مدارس كمبوني. وفي سعيهم للسيطرة على التعليم قاموا بتأسيس كلية غردون (جامعة الخرطوم حالياً)، وكلية قويني للاهوت، ومستشفى بأم درمان، وقد اهتمت الكنيسة بالأنشطة العامة، وشجعت المنصّرين على الزواج لتأسيس أسـر نصرانية، والاهتمام بإنشاء الأندية والمراكز الاجتماعية لعدم ذوبانهم في المسلمين، وتمت ترجمة الإنجيل للغة الدينكا 1933م .

 ( ب ) الإرساليات البروتستاتية:

من أهم الإرساليات التنصيرية جمعية التبشير الكنسية البريطانية لإفريقيا والغرب (C.M.S), فهي أكثر الإرساليات نشاطاً لارتباطها بكنيسة الدولة البريطانية (1799م)، ويرعاها أسقف كنيسة كنتربوري، وأصبح رئيس الأسقفية الإنكليزية بالسودان (ج اسبنسر)، ويعد حجة في المسائل الدينية النصرانية والإسلامية، ومن تلامذته فيليب غبوش المنصّر السوداني المعروف بشدة عدائه للإسلام والمسلمين وإثارته للفتن الدينية والسياسية.

استراتيجية العمل التنصيري :

ركَّز التنصير على محتاجي إفريقيا وفقرائها واستغلال حاجتهم إلى الخدمات التعليمية والصحية والغذاء والكساء، وذلك بتقديم التعليم وفتح المدارس، وفتح المستشفيات وتقديم الدواء والعلاج، إضافة للإغاثة والغذاء وحفر آبار المياه، وقد ساعدهم النفوذ الاستعماري وحكمهم لإفريقيا وتوظيف الأفارقة النصارى في الوظائف العليا، وتقديم الدول الأوروبية لإعانات كبيرة للمنصّرين بواسطة المنظمات الكنسية الأوروبية، وتوجيه المساعدات إلى مناطق تمركز النصارى، وقد حلّت المنظمات الكنسية مكان الدول المستعمرة لإفريقيا بعد انسحاب تلك الدول، ثم أنشأت الدول المستعمرة ما عُرف بدول الكومنولث للمستعمرات البريطانية، ودول الفرانكفونية للدول المستعمرة بواسطة الفرنسيين وبخاصة دول غرب إفريقيا.

كما يعمل الغرب والكنيسة لتحقيق أهدافهم التنصيرية في إفريقيا عن طريق الضغط السياسي والاقتصادي على الدول الإفريقية، وتستغل الولايات المتحدة ما تقدمه من معونات للضغط على الدول التي ترفض الإذعان لأمريكا، فقد أوقفت معونتها للسودان أيام حكم النميري والإنقاذ لتطبيقهم للشريعة الإسلامية.

وتعمل الدول الأوروبية المستعمِرة لترسيخ أقدام النصرانية، ومدها بالمعونات المادية التي تساعدها من نشر أفكارها وتقديم الخدمات للفقراء وتنصيرهم من ناحية، وربط أفكار الأوروبيين بمفهوم الحضارة والتقدم والحرية والمساواة وحقوق الإنسان من ناحية أخرى، إن أكثر المنظمات الكنسية لها أجندة سياسية مرتبطة مع الدول الاستعمارية.

تتولى المنظمات الكنسية بعض المشاريع الإنسانية العلاجية والتعليمية والإغاثية، مثل: الراهبات وأطباء بلا حدود ومدارس كمبوني وسنت جيمس، ويتم ربط هذه المؤسسات الخدمية بالأنشطة الاجتماعية كجمعية القديس منصور، والقديسة ماريا تريزا بالدمازين بالسودان، وربط هذه الكنائس باسم القبائل لضمان استمراريتها.

وتقوم الكنيسة بإنشاء مراكز دراسات لمراقبة المنظمات الإسلامية ونشاطاتها، وتضع الكنائس استراتيجيات للعمل وسط الهيئات النسوية، كجمعية أمهات السودان, وجمعية ربات البيوت في كادقلي بغرب السودان التي تقوم بتزويد النساء بماكينات الخياطة ووسائل تربية الدواجن والماعز, وتقديم دورات في التدبير المنزلي، وتدريب الفتيات على التمريض، وتكليفهن بتوزيع المطبوعات النصرانية، كما تقوم الكنيسة بطباعة الإنجيل بأشهر لغات القبائل الإفريقية، وقد وصلت طباعة الإنجيل باللغة السواحلية للطبعة الستين.

تعمل الكنيسة على خداع الأطفال والسذج من المواطنين بادعاء حصولهم على محبة وبركة المسيح، فتقدم للأطفال العصائر الملونة على أنه بركة المسيح، وتقدم الخبز واللبن للجياع على أنه من المسيح، مع الترويج  لحكايات وأغان من التراث النصراني لتقريب صورة المسيح إليهم، وإيهامهم بأنه مخلصهم من النار.                    

التنصير في الجنوب السوداني:

سكان الجنوب السوداني الأصليون مجموعة من القبائل الوثنية التي لم تعرف الأديان السماوية إلا منذ عهد قريب، وذلك لأن طبيعة الجنوب صعبة، فالأمطار تستمر هناك لمدة عشرة شهور، والغابات ممتلئة بوحوشها التي تفتك بالإنسان وحشراتها التي تسبب كثيراً من الأمراض، لذلك ظلت الأديان السماوية غير معروفة لدى الجنوبيين لصعوبة الوصول إليهم، ولم تعرف قبائل الجنوب الأديان إلا منذ عهد محمد علي وبعد أن تم اكتشاف منابع نهر النيل.

بدأ تآمر الاستعمار والكنيسة لتنصير الجنوب والحيلولة دون انتشار الإسلام فيه وفيما يليه جنوباً عن طريقه، وذلك عندما لاحظ المستعمر أن هجرة التجار من شمال السودان إلى جنوبه أدّت إلى انتشار الإسلام في الجنوب .

وأخذ الإسلام في الانتشار بين القبائل، وبلغ عدد المسلمين في بدء الدعوة الإسلامية هناك 148241 مسلماً بمديرية أعالي البحار، و 2160080 مسلماً بمديرية بحر الغزال، و 12417 مسلماً بالمديرية الاستوائية بالجنوب السوداني، وذلك ما أزعج وأفزع المؤسّسات التنصيرية فعملت على محاربة الإسلام واللغة العربية.

نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية في أبريل 2001م تقريراً عن نشاط المنظمات التنصيرية ودورها في حرب الجنوب، صدَّرته بعنوان «جنود المسيح»!! قالت فيه إن الحرب في جنوب السودان أصبحت حرباً صليبية!! وتكلمت المجلة عن طائرات المنظمات الكنسية التي تروح وتغدو في مناطق التمرد، مع أن بعض تلك المنظمات، مثل منظمة «صندوق الراعي الصالح», تحتفظ بأفرع لها في عاصمة البلاد (الخرطوم)!! كما تكلمت عن ملاييـن الدولارات التي كانت تلك المنظمات تسكبها تحت أقدام قادة التمرد، وقالت: إن 17 مليون دولار أمريكي أنفقتها منظمة واحدة هي «الوكالة الأمريكية للتنمية» دون علم الحكومة السودانية!! ومن تلك المنظمات «برنامج المساعدة النرويجي» الذي ظهر مؤخراً مروِّجاً لدعاوى الإبادة الجماعية في دارفور!!

لقد كان الدور الكنسي الأجنبي حاضراً بعمق في كل أزمات السودان منذ أن جاء المنصّرون الأوائل في عهد السيطرة التركية السابقة، وطرقوا أرض جنوب السودان في زي العلماء ومكتشفي منابع النيل، فأقاموا «حظائر الرقيق»، ثم أخذوا التهمة وألصقوها بالسودانيين!! وكان حاضراً عندما جاؤوا في ركاب الجيش الإنجليزي الغازي بعد سقوط دولة المهدية، وأقاموا كنائسهم وإرسالياتهم برعاية الحاكم الأجنبي الجديد .

وكان الدور الكنسي حاضراً في أول تمرد للفرقة العسكرية في (توريت) بجنوب السودان، واستمر في كل مراحل الحرب المدمرة؛ حيث كان «الأب ستارينو لاهوري» واحداً من مؤسسي حركة «الأنانيا وَنْ»، وكانت جيوش المنصّرين الأجانب تقف خلفه، حتى عندما قام الفريق إبراهيم عبود بطرد كل المنصّرين الأجانب من السودان؛ قامت الفاتيكان ولم تقعد، لتتكلم عن الاضطهاد الديني في الجنوب!! وهو الاضطهاد الذي جاء البابا يوحنا بولس السادس إلى الخرطوم في 10 فبراير من العام 1993م ليتكلم عنه واصفاً السودان بأنه أكثر بلاد العالم المسببة لأرقه، قائلاً: «حيث لا قانون! فقط المعاناة! فقط الألم! أولئك الذين يموتون في سبيل المسيح حينما يتم تخييرهم بين الإيمان به وبين حصولهم على الطعام لهم ولأسرهم! ولكنهم يختارون إيمانهم! شهداء ولكن لا أحد يعلم!!», كانت كلمة البابا تلك قد رُتِّبت وفقاً لتقارير أعدها الأسقف «مكرم ماكس قاسيسي» الأسقف السابق لكنيسة الأبيض، وهو رجل ضالع في كثير من الأدوار المشبوهة ضد السودان، منها أدوار رتَّبت «خلفيات التدخل اليهودي في دارفور».

لقد حققت الكنيسة العالمية انتصاراً كبيراً في جنوب السودان بتوقيع اتفاقية نيفاشا، تلك الاتفاقية التي حققت للكنيسة أحلامها السابقة في إيقاف انتشار الإسلام في جنوب السودان وزحفه جنوباً ليعم ما يطلقون عليه «إفريقيا الزنجية»، بل استطاعت أن تجعل الجنوب نقطة ارتكاز للنصرانية في تقدمها نحو الشمال المسلم!! لقد انتقل المشروع الكنسي العالمي للعمل في دارفور حيث اندفع طوفان هائل من المنظمات التنصيرية الكنيسة إليها.

استخدمت الكنيسة في معركتها لنشر التنصير ومحاصرة الإسلام كل سلاح يمكن استخدامه لتغيير الديموغرافيا المحلية وامتلاك السودان، وذلك بالعمل - تحت ستار الإغاثة - على الإبقاء الدائم لحالة النزوح ومحاربة الاستقرار ودعم التمرد والترويج لدعاوى الإبادة الجماعية للعرق الزنجي من قبل العرب المدعومين من النظام الأصولي في الخرطوم!

التنصير في دارفور:

تسللت جماعات التنصير إلى إقليم دارفور تحت غطاء طلقات الرصاص وأعمال العنف المتبادل بين متمردي الإقليم والقوات الحكومية السودانية، وبدأت تركز جهودها في مخيمات اللاجئين الذين شرتدهم الحرب، حتى إن عدد منظمات التنصير وصل إلى ما يقرب من 30 منظمة تعمل تحت ستار المنظمات الإنسانية، وأعلنت منظمة «كاريتاس» العالمية الكاثوليكية أنها تستهدف 125 ألف مسلم في دارفور، وأعلن أمين عام المنظمة أن هنالك مليون شخص في دارفور معرضين للموت، وفي حاجة إلى الحماية، وهذا العدد الضخم يعد صيداً سهلاً لمنظمات التنصير.

وفي مطلع عام 2000م أعلنت الخارجية الأمريكية عن إرسالها 70 فرقة تنصيرية إلى جنوب إفريقيا مؤهلين ومدربين على العمل في أصعب الظروف في قلب الغابات والحروب والأمراض، وتضم كل فرقة أطباء وممرضات ومهندسين وفلاسفة وعلماء، وهذه الفرق هي طليعة لأكثر من ثلاثة ملايين منصّر أعلنوا استعدادهم للذهاب إلى كل مكان على الأرض للدعوة إلى دين المسيح.

وأكد وزير الداخلية السوداني أحمد محمد هارون أن عدد المنظمات التنصيرية الأوروبية والأمريكية العاملة في دارفور يبلغ أكثر من 30 منظمة، وأشار الوزير السوداني إلى أن هذه المنظمات تقوم بأدوار في غاية الخطورة، وتستغل العمل الإغاثي في عمليات التنصير، مؤكداً أنها باتت واحدة من آليات النظام السياسي العالمي الجديد، وأصبحت مسؤولة عن إعداد مسارح الحرب للآخرين، وأشار إلى أنها تقوم بأدوار في غاية الخطورة، وتستغل العمل الإغاثي في عمليات التنصير في دارفور الذي يقطنه غالبية مسلمة، ولا توجد به كنيسة واحدة.

 قلق الحكومة السودانية:

قرّرت الحكومة السودانية مؤخراً طرد أعضاء بعض المنظمات الدولية التي تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية من السودان لعدم الالتزام بقوانين البلاد وتدخلهم في الشؤون السياسية، وقد طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من السودان التراجع عن قرارها، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها السلطات السودانية إلى طرد بعض العاملين في مؤسسات الإغاثة الدوليّة من السودان، فقد سبق للسلطات السودانية أن طردت 272 شخصاً من العاملين بإحدى وكالات الغوث الكاثوليكية، كما طردت 28 عاملاً بمؤسسة للغوث التابعة للكنائس البروتستانية؛ بعد أن ثبت للسلطات السودانية أن العاملين في هذه المؤسسات يستغلون حاجة اللاجئين إلى الدواء والكساء والطعام والإيواء, ويعملون لتغيير عقيدتهم الإسلامية.

التنصير فى السودان بالأرقام:

نُشِر حديثاً بالخرطوم دراسة للأب الدكتور ج فانتين، جاء فيها: إن عدد النصارى بالسودان كان عشرة أشخاص فقط في عام 1911م، زادوا إلى 1500 شخص عام 1921م، وأصبحوا عشرة آلاف شخص في عام 1931م، ثم ارتفع العدد إلى مائة ألف عام 1951م، ثم إلى 300 ألف عام 1961م، وإلى 480 ألف عام 1964م، وأصبح عددهم 880 ألف في عام 1982م، أما اليوم فقد تجاوز عدد النصارى في السودان أربعة ملايين نسمة.

أما عدد الكنائس بالسودان فقد بلغ 1200 كنيسة في عام 1982م؛ إضافة إلى60 مركزاً تنصيرياً، وعدد كبير من المؤسسات التنصيرية المتخصصة في التعليم والصحة، وبلغت قيمة ممتلكات هذه المؤسسات التنصيرية ما يزيد على 60 مليون جنيه استرليني.                      

وختاماً:

 مع تنامي ظاهرة العودة إلى الإسلام على مختلف المستويات، ولا سيما الشباب، يتنامى الوعي بما يواجه الأمة من تحديات التيارات الضالة وخطرها، ومن بينها التنصير، وهذا الوعي جانب مهم في استراتيجة مواجهة خطر التنصير، لكنه ليس الجانب الوحيد، فهناك مثلاً المواجهة بإحلال البديل الصالح، لا من منطلق الدفاع واتقاء الهجمات فحسب، بل لسد الطرق أمام الذين يحاولون تحقيق أهداف التنصير في المجتمعات المسلمة.

مواجهة التنصير تدخل في إطار الصراع بين الحق والباطل، ولذا فإنه يُتوقع للمواجهة الاستمرار، وهو ما يستلزم مواصلة تقويم الأهداف والأساليب والوسائل والخطط والاستراتيجيات والنتائج، ولا يصح التعويل كثيراً على مجرد المؤشرات الحسنة التي ظهرت على الساحة الإسلامية، بل لا بد مع هذا من تكثيف الجهود في مواجهة الحملات التنصيرية، واستخدام الأساليب والوسائل الحديثة, وألا يظن الدعاة المسلمون أنهم سيواجهون التنصير لأنهم على الحق، فيكتفون بوسيلة الدعوة في المواجهة، فعلم الداعية بالحق لا يعني علم المحيطين به بمجرد إعلامهم به.

ولعل من وسائل مواجهة الحملات التنصيرية(9).

1-  الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة:  فالمواجهة العملية أن نقدم للآخرين من مسلمين وغير مسلمين البديل الذي نعتقد أنه الحق، وهو الإسلام الذي جاء به القرآن الكريم وسنَّة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يقوم هذا التقديم على فقه وحكمة ووعي بالواقع.

2 - هيئات الإغاثة:  وقد ظـهرت على الساحة الإسلامية مجمـوعات كثيرة من الهيئات والجمعيات واللجان الإغاثية الإسلامية، والتي قدمت ولا تزال تقدم جهوداً كبيرة في إحباط محاولات التنصير عبر الفقر والجهل والمرض، لكن الأمل في أن تتكامل تلك الهيئات والجمعيات، وتسعى إلى تطوير أساليبها ووسائلها بما يناسب حجم المواجهة.

3 -  علماء الأمـــة:  والعلماء وطلبة العلم يناط بهم عمل عظيم في هذا المجال، فهم الذين يديرون الدفة العلمية والفكرية، وهم الذين يملكون القدرة والتأثير بعلمهم وحكمتهم. 

4 -  استثمار طاقات الشباب:  يملك شبان الأمة الطاقة والقوة وشيئاً من الفراغ والرغبة، وهو ما يثير فيهم التطلع إلى خوض المغامرة، ومع شيء من التوجيه يمكن أن يساهم هؤلاء في التصدي للتنصير والمنصّرين.

والأمر يتطلب تخصص دعاة لمواجةالتنصير, يكون الواحد منهم بطلا يسد ثغرا, كما قال الشيخ ( أحمد ديدات ) رحمه الله .

* باحث مصري.

(1)  التنصيــر في إفـريقيـا، نصر الهادي مصطفى،

http://www.mubarak-inst.org/stud_reas/research_view.php?id=30

(2)  غزو تنصيري لإفريقيا، أحمد أبو زيد،  http://www.alukah.net/articles/1/847.aspx

(3)  المصدر السابق نفسه.

(4)  المصدر السابق نفسه.

(6) الفاتيكان.. التنصـير الكاثوليـــكي بالأرقـام، محمود بيومي، http://www.islamtoday.net/bohooth/artshow-14-5446.htm

(7)  التنصير مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته، أ. د. علي بن إبراهيم الحمد النملة.

 http://www.islamhouse.com/files/ar/ih_books/single/ar_Baptism_is_understandable_goals_methods_and_ways_to_confront_it.doc 

(8)  مدير جمعية تبشير الكنيسة البريطانية، وثاني رئيس لأول بعثة كاثوليكية معتمدة إلى جنوب السودان بقيادة الأب ريلو.

(9)  التنصير مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته, علي بن إبراهيم الحمد النملة.